محمد طاهر الكردي

269

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ويبلغ الركب ديار بني سعد ، ويثوب المراضع إلى بيوتهن ويستأنفن حياة أهل البادية في أرض مجدبة قلّ فيها الرعي والماء ، وكثر فيها البؤس والشقاء ، وغنم حليمة ترعى كما ترعى الغنم ، ولكنها تروح ملآ حفّلا لا يظمأ أصحابها ولا يجوعون ، تروح غنم السعديين مهزولة نحيلة ناضية ، لا تكاد تبض بما يبل الريق ، وهم يقولون لرعاتهم : ويلكم ارعوا حيث ترعى غنم ابنة ذؤيب . فيقول الرعاة : واللّه إن لنرعى حيث ترعى ، وإنها واللّه لا تجد أكثر مما نجد ، ولكنها تروح ملآ ونروح بغنمنا كما ترون ، لا تغني من ظمأ ولا جوع . فيقولون : إن لابنة أبي ذؤيب لشأنا . وتنعم حليمة وينعم أبناؤها بحياة راضية هادئة وينمو رضيعها ويزكو . وتقضي هذه الأسرة عامين راضين لا تعرف فيها مشقة ولا جهدا ، ولا تجد فيهما ألما ولا سقما ، وإنما هي أيام وليال تطرد ويمضي بعضها في أثر بعض ، لا كدر فيها ، حتى إذا آن للرضيع أن يثوب إلى أمه نظرت حليمة وزوجها ، فإذا الطفل قد نما وزكا كأحسن ما ينمو الأطفال ويزكون ، لم يكد يتم الثانية وكأنه ابن الأربع ، والقوم عليه حراص ، ولكنهم يؤدونه على ذلك إلى أمه كارهين . ثم تهم حليمة أن ترجع وقد أرضت آمنة وعبد المطلب وأرضتها آمنة وعبد المطلب ، ولكنها لا تستطيع فراق الطفل حبا له وحدبا عليه ، ورغبة في استبقاء ما وجدت في استصحابه من خير ، فتلح على آمنة أن ترده معها إلى البادية حيث الهواء النقي ، والسماء الصافية ، والحياة الهادئة البريئة ، هناك حيث لا مرض ولا وباء ولا فساد . وتجيبها آمنة إلى ما أرادت وقد آثرت الطفل على نفسها ، وضحت بلذة الأمومة في سبيل تنشيء ابنها تنشيئا صالحا . وهل عرفت آمنة إلا التضحية ؟ وتمضي حليمة بالصبي راضية ، وتبقى آمنة في مكة محزونة ، وتنظر بركة إلى حليمة نظرات فيهن الحسد . وتنظر بركة إلى آمنة نظرات فيهن اللوم . قلت لمحدثي : فكيف قضى الصبي أيامه بعد ذلك في البادية ، وكم أقام عند ظئره في ديار بني سعد ؟ قال : إن لهذا لحديثا عجيبا مهما أبلغ من البراعة وقوة البيان فلن أقصه عليك في تلك السذاجة الحلوة الأخاذة التي كان يقصها مكحول على أهل الشام . فاسمع حديث مكحول فإنك واجد فيه مثل ما وجدت من اللذة والعظة والعبرة والمتاع .